علي بن أحمد المهائمي
72
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الأقدس ، فالأمر كلّه منه ابتداؤه وانتهاؤه : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] كما ابتدأ منه ، فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصّورة ، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصّورة الّتي هي صورة العالم المعبّر عنه في اصطلاح القوم ب « الإنسان الكبير » ، فكانت الملائكة له كالقوى الرّوحانيّة والحسّيّة الّتي هي النّشأة الإنسانيّة ، وكلّ قوة محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها ، وأنّ فيها فيما تزعم ، الأهليّة لكلّ منصب عال ، ومرتبة رفيعة عند اللّه لما عندها من الجمعيّة الإلهيّة ، بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهيّ ، وإلى جانب حقيقة الحقائق ، وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه الطّبيعة الكلّية الّتي حصرت قوابل العالم كلّه أعلاه وأسفله ] . ثم أشار إلى تعليل اقتضاء التسوية لقبول الروح الإلهي بقوله : « وما هو » أي : ليس تسوية المحل بمعنى تساوي تقادير الأجزاء ، وطبائعها على ما يوهمه اللفظ ، وإلا كان روح كل مثل روح الآخر من كل وجه للاتفاق على أن اختلاف الأرواح بحسب اختلاف الأمزجة بل ( ما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة لقبول الفيض ) أي : قبول الروح بطريق فيضان نور الشمس على المحل القابل لنورها ، وليس بانفصال شيء منها ، وانتقاله إلى المحل بل بحدوث ما يناسب نورها في ذلك المحل ، فكذلك فيض الروح أثر ( التجلّي الدائم الذي لم يزل ، ولا يزال ) قبل حدوث هذا المحل ؛ فليس التجلي حادثا بحدوث المحل بل ظهور أثر التجلي فيه يتوقف على حصوله ، وتسويته توقف فيضان الصور على المرآة على تصقيلها وتسوية أجزائها ، وإن كانت تلك الصور موجودة قبل المرآة ، وهذه الروح حاصلة في كل صورة فلكية أو عنصرية ، إذ لا تخلو عن القوى المحركة بالطبع ، أو الإرادة بل كل شيء يسبح بحمده ، ولكن لا يفقه غير أهل الكشف تسبيحه ، وكما أن لكل جزء من العالم روحا يدبره ، فكذا لمجموعة لا بدّ من روح يدبرها ، وهو المقصود بالذات ، وهو الإنسان الكامل . ثم استشعر سؤالا : وهو أنكم قد خصصتم التجلي بفيضان الروح ؛ فمن أين فيضان القابل ؟ فإن كان من التجلي ؛ فلابدّ له من تسوية المحل ، ولا يحل قبل القابل ، وإن كان من غيره بطلت قاعدة التوحيد . فقال : ( وما بقي ) أي : بعد البحث عن فيضان الروح ( إلا قابل ) أي : بحث فيضان القابل للأرواح المذكورة لأجزاء العالم الكبير أو الإنسان ، ثم أجاب عنه فقال : ( والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس ) « 1 » ، وهو الفيض الحاصل من التجلي الإلهي بالأسماء لا
--> ( 1 ) أي : المنزّه عن الجعل والتأثير ؛ وذلك لأن المراتب كلها إلهية بالأصالة ، وظهرت أحكامها -